السيد نعمة الله الجزائري
42
الأنوار النعمانية
واللّه بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يتوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته كان واللّه غريز العبرة طويل الفكرة يقلّب كفه ويخاطب نفسه ويناجي ربه يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب كان واللّه فينا كأحدنا يدنينا إذا اتيناه ويجيبنا إذا سئلناه وكنا مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمه لهيبته لا نرفع أعيننا اليه لعظمته فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله واشهد باللّه لقد رأيته ف بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين فكأني الان أسمعه وهو يقول يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم أليّ تشوقت هيهات هيهات غريّ غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيك فعمرك قصير وخطرك يسير واملك حقير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق وعظم الموقف فوكفت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمه واختنق القوم بالبكاء ثم قال كان واللّه أبو الحسن ذكلك فكيف كان حبك إياه قال كحب أم موسى لموسى واعتذر إلى اللّه من التقصير ، فقال كيف صبرك عنه يا ضرار قال صبر من ذبح واحدها على صدرها فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حرارتها . ثم قل وخرج وهو باك فقال معاوية اما لو أنكم فقدتموني لما كان فيكم من يثني عليّ مثل هذا الثناء فقال له بعض من كان حاضرا الصاحب على قدر صاحبه ، وروى عن سويد بن غفلة قال دخلت على أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره فقلت يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئا مما يحتاج اليه البيت فقال عليه السّلام يا ابن غفلة ان البيت لا يتأثث في دار النقلة ولنا دار أمن قد نقلنا اليخا خير متاعنا وانا عن قليل صائرون ، وكان عليه السّلام إذا أراد ان يكتسى دخل السوق فشيتري الثوبين فيخير قنبر أجودهما ، ويلبس الاخر ثم يأتي النجار فيمد له احدى كميه ويقول له خذ بقدومك ويقول هذه تخرج في مصلحة أخرى ويبقى الكم الأخرى بحالها ويقول هذه نأخذ فيها من السوق للحسن والحسين . وروى عن الأسود وعلقمة ، قال دخلنا على علي عليه السّلام وبين يديه طبق من خوص عليه قرص أو قرصان من شعير ، وان اسطار النخالة ليبين في الخبز ، وهو يكسره على ركبتيه ويأكل بملح جريش فقلنا لجارية له اسمها فضة الا نخلت هذا الدقيق لأمير المؤمنين عليه السّلام فقالت أيأكل هو المهنى ويكون الوزر في عنقي فتبسم وقال انا امرتها ان لا تنخله قلنا ولم يا أمير المؤمنين قال ذلك أجدر ان تذل النفس ويقتدى في المؤمن فالحق بأصحابي . واما سلمان وأبو ذر فحالهما فيه مشهور ، روى الشيخ الورام طاب ثراه ان سلمان الفارسي لما مرض مرضه الذي مات أتاه سعد يعوده فقال كيف أنت يا عبد اللّه فبكى فقال ما يبكيك فقال واللّه ما أبكي حرضا على الدنيا ولا حبا لها ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عهد الينا عهدا